أبي حيان الأندلسي
14
البحر المحيط في التفسير
صدق خالق على غير اللّه ، بخلاف كونه صفة ، فإن الصفة تقيد ، فيكون ثم خالق غير اللّه ، لكنه ليس برازق . ومعنى مِنَ السَّماءِ : بالمطر ، وَالْأَرْضِ : بالنبات ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ : جملة مستقلة لا موضع لها من الإعراب . فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ : أي كيف يصرفون على التوحيد إلى الشرك ، وأن يكذبوك إلى الأمور ، تقدم الكلام على ذلك . إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ : شامل لجميع ما وعد من ثواب وعقاب وغير ذلك . وقرأ الجمهور : الْغَرُورُ بفتح الغين ، وفسره ابن عباس بالشيطان . وقرأ أبو حيوة ، وأبو السمال : بضمها جمع غار ، أو مصدرا ، كقوله : فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ « 1 » ، وتقدم الكلام على ذلك في آخر لقمان . إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ : عداوته سبقت لأبينا آدم ، وأي عداوة أعظم من أن يقول في بنيه : لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * « 2 » ، وَلَأُضِلَّنَّهُمْ « 3 » ؟ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا : أي بالمقاطعة والمخالفة باتباع الشرع . ثم بين أن مقصوده في دعاء حزبه إنما هو تعذيبهم في النار ، يشترك هو وهم في العذاب ، فهو حريص على ذلك أشد الحرص حتى يبين صدق قوله في : وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ ، وَلَأُضِلَّنَّهُمْ ، لأن الاشتراك فيما يسوء مما قد يتسلى به بخلاف المنفرد بالعذاب . ثم ذكر الفريقين ، وما أعدّ لهما من العقاب والثواب . وبدأ بالكفار لمجاورة قوله : إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ ، فاتبع خبر الكافر بحاله في الآخرة . قال ابن عطية : واللام في ليكون لام الصيرورة ، لأنه لم يدعهم إلى السعير ، إنما اتفق أن صار أمرهم عن دعائه إلى ذلك . انتهى . ونقول : هو مما عبر فيه عن السبب بما تسبب عنه دعاؤهم إلى الكفر ، وتسبب عنه العذاب . و الَّذِينَ كَفَرُوا ، وَالَّذِينَ آمَنُوا . مبتدءان ، وجوز بعضهم في الَّذِينَ كَفَرُوا أن يكون في موضع خفض بدلا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ ، أو صفة ، وفي موضع نصب بدلا من حِزْبَهُ ، وفي موضع رفع بدلا من ضمير لِيَكُونُوا ، وهذا كله بمعزل من فصاحة التقسيم وجزالة التركيب . أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً : أي فرأى سوء عمله حسنا ، ومن مبتدأ موصول ، وخبره محذوف . فالذي يقتضيه النظر أن يكون التقدير : كمن لم يزين له ، كقوله : أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ « 4 » ، أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى « 5 » ، أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ « 6 » ، ثم قال : كَمَنْ مَثَلُهُ فِي
--> ( 1 ) سورة الأعراف : 7 / 22 . ( 2 ) سورة الحجر : 15 / 39 . ( 3 ) سورة النساء : 4 / 119 . ( 4 ) سورة محمد : 47 / 14 . ( 5 ) سورة الرعد : 13 / 19 . ( 6 ) سورة الأنعام : 6 / 122 .